زكريا القزويني

413

آثار البلاد واخبار العباد

فلو كانت العساكر ثمانمائة ألف لكانت السند والهند والصين ومصر والبربر والحبشة والروم أيضا في طاعتنا . ثمّ ان السلطان ان أثبت سبعين ألفا وأسقط ثلاثمائة وثلاثين ألفا ، فالساقطون ليسوا أصحاب حرف يشتغلون بصنعتهم ، يجتمعون على يد واحد ، ويدخلون تحت طاعته ، فنشأ من ذلك فساد عظيم ويكون الخصم في ثلاثمائة وثلاثين ألفا ونحن في سبعين ألفا ، فتمشي الأموال وتهلك ، ويكون ذلك نتيجة نصيحة هذا الناصح الذي ينصح بجمع الأموال وتفريق الرجال . وحكي انّه كان شديد التعصّب على الباطنيّة ، وقد خرج من أصفهان وبه عقابيل المرض في العمارية . فلمّا وصل إلى قرية من قرى نهاوند يقال لها قيدسجان ، تعرّض له رجل ونادى : مظلوم ! مظلوم ! فقال الوزير : ابصروا ما ظلامته . فقال : معي رقعة أريد أسلمها إلى الوزير ! فلمّا دنا منه وثب عليه وضربه بالسكّين ، وكانت ليلة الجمعة الحادي والعشرين من رمضان سنة خمس وثمانين وأربعمائة ، فحمل إلى أصفهان ودفن في مدرسته . وينسب إليها الإمام حجّة الإسلام أبو حامد محمّد بن محمّد بن محمّد الغزّالي . لم تر العيون مثله لسانا وبيانا وخاطرا وذكاء وعلما وعملا . فاق أقرانه من تلامذة إمام الحرمين ، وصار في أيّام إمام الحرمين مفيدا مصنّفا ، وإمام الحرمين يظهر التبجّج به . وكان مجلس نظام الملك مجمع الفضلاء ، فوقع لأبي حامد في مجلسه ملاقاة الفحول ومناظرة الخصوم في فنون العلوم ، فأقبل نظام الملك عليه وانتشر ذكره في الآفاق ، فرسم له تدريس المدرسة النظامية ببغداد ، وصنّف كتبا لم يصنّف مثلها ، ثمّ حجّ وترك الدنيا واختار الزهد والعبادة ، وبالغ في تهذيب الأخلاق ودخل بلاد الشام ، وصنّف كتبا لم يسبق إلى مثلها كإحياء علوم الدين ، ثمّ عاد إلى خراسان مواظبا على العبادات إلى أن انتقل إلى جوار الحقّ بطوس سنة خمس وخمسمائة عن أربع وخمسين سنة . قيل : ان تصانيفه وزّعت على أيّام عمره فأصاب كلّ يوم كراس .